منير سلطان

14

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

وبأن في القرآن من الرموز أشياء عظيمة القدر ، جليلة ، تضمنت علم ما يكون في هذا الدين من الملوك والممالك والفتن والجماعات ومدد كل صنف منها وانقضائه ، ورمزت بحروف المعجم وبغيرها من الأقسام ، واطّلع على علمها الأئمة المستودعون علم القرآن ، وأضيف إلى ذلك أن الشيعة يقولون في كثير من مسائل أصول الدين بقول المعتزلة ، فهذا كتاب « الياقوت » لأبى إسحاق بن إبراهيم بن نوبخت من قدماء متكلمي الشيعة يؤكد ما أذهب إليه ، والأستاذ أحمد أمين يرجح تتلمذ الشيعة على يد المعتزلة ، بينما يقرر الشهرستاني أن من بين الشيعة من يميل في الأصول إلى الاعتزال ومنهم من يميل إلى السنة وبعضهم إلى التشبيه ، والشريف المرتضى الشيعي المعتزلي ليس ببعيد . والخوارج لا باع لها في ميدان علم الكلام وقضايا العقيدة ، وقد انتهزت فرصة عملي بالجزائر واتصلت بالإباضية المنتشرين هناك ، وكاتبت العالم الإباضى الورع السيد / بيوضى ، استطلعه رأى الإباضية حول إعجاز القرآن ، واتجاههم في مسائل العقيدة التي ناقشها المعتزلة والأشاعرة ، فأجابني برسالة مستفيضة عما سألت ثم تسنّى لي لقاؤه والإفادة من علمه ، فخرجت من الرسالة واللقاء بأن للإباضية جهدا في مسائل علم الكلام هو مزيج مما قالت المعتزلة والأشاعرة ، وأن لها رأيا في الاعجاز هو شبيه برأي الأشاعرة . لذا لم أتكلم عن الشيعة ولا عن الخوارج ، وأما عن المرجئة فلم أصادف لها متكلمين ، ولا كتبا خاصة ، ولا نظرة معينة إلى القرآن في إعجازه . والصوفية بدورها تعتبر نزعة من النزعات وليست فرقة مستقلة ، وقد استطاع الصوفية - متبعين في ذلك الشيعة - أن يبرهنوا بطريقة تأويل نصوص الكتاب والسنة تأويلا يلائم أغراضهم ، على أن كل آية ، بل كل كلمة في القرآن ، تخفى وراءها معنى باطنا لا يكشفه اللّه إلا للخاصّة من عباده الذين تشرق هذه المعاني في قلوبهم في أوقات وجدهم ، وهناك تأثر واضح للصوفية من المعتزلة ، فهم قد جعلوا مسألة القدر ، التي هي أهم قضايا المعتزلة ، نقطة أساسية في مذهبهم ، فقالوا بالجبر على نحو لا اضطراب فيه ، ونلحظ أن التصوف قد انتشر في فارس ، وفارس من مواطن الاعتزال .